العنكبوت

لم تزل أشباح قصة تطاردني، فأحاول التقاط ما يمكن التقاطه، تتحدث في بعض تفاصيلها عن رحلة عنكبوت لاتيني وجد نفسه مسافرًا من ريو دي جانيرو إلى البندقية، هجرة مفاجئة وغامضة ومحفوفة بالمخاطر على متن حقيبة ملابس طالب مبتعث للدراسة، لكن يصعب الحكم فيما إذا كانت موفقة أم غير موفقة، واقعية أم خيالية، منصفة أم لا.

وفي خضم وقائع مثيرة وأقدار عجيبة يتسبب هذا العنكبوت في القضاء وبلدغة واحدة سامة على فاليريو، محامي البندقية الشرس والذي قضى أكثر من عشرين عامًا في الدفاع عن حقوق الحيوان.

في مراسم الدفن، ذكرت كاميلا أجمل ما يمكن أن يقال عن أخيها، وختمت كلمتها بعبارة لم يفهمها أغلب الحضور، فقالت : أشعر بالأسف أنّ القاتل لم يمنح فاليريو أيّ فرصة للدفاع عن نفسه، لو أنه فعل لأقنعه فاليريو بأن يختار برونو (محافظ المدينة) بدلاً منه. 

على النقيض من هذا، بدت سيلفيا (زوجة فاليريو) في عالم آخر، إذ لم تتوقف عيناها أبدًا عن النظر إلى تلك السيدة الجميلة في الخلف والتي كانت تذرف الدموع وتتأوه بطريقة لفتت أنظار الجميع كذلك، ظلت تراقب هذه الغريبة وتتعجب، ثم تعود للتحديق في التابوت وتتمتم، وكأنها تسأل فاليريو : من هذه يا فاليريو، ويحك إن كنت تدافع عن أحد غير الحيوانات! 

أنطونيو الذي طالما وصف فاليريو بالطبل الإنساني، والذي لم يترك مكانًا تواجد فيه ولو لدقائق إلا وكانت سيرة فاليريو على لسانه، يحرض الناس ضده وينتقده على خلفية تسخير عبقريته، وأمواله، وقدراته الفائقة للدفاع عن الحيوان في حين أن الإنسان أولى بهذا في نظره، ويحتاجه في بلده أكثر من أي مخلوق آخر غير عاقل، حضر هو الآخر على دراجته ليلقي النظرة الأخيرة على فاليريو، والذي لم يحظ بقبول أي من المشيعين. كان يدرك هذا بوضوح حتى قبل أن يقرر المشاركة، وعلى بعد أمتار منه تهمس مارغريتا (جارة فاليريو) لزوجها: لو تسنى لفاليريو أن يتحرك للمرة الأخيرة، لقام ووجّه صفعة إلى أنطونيو أقوى من تلك التي دوى قبل أسبوعين صدى صوتها في المحكمة.

دُفن فاليريو وبدأ الأصدقاء بالمغادرة. وبقيت أم فاليريو منتصبة فوق القبر، سمعتها كاميلا تقول: لدغات البشر لم تقتلك أيها الشقيّ، وقتلك عنكبوت بدم بارد. ما الذي حدث لك؟ لم تكن لتستسلم بهذه السهولة! أتعلم ما يقلقني ويؤلمني في هذه الساعة، لم أعد في الحقيقة واثقة، من منكما البطل!

ابتسمت كاميلا بعد أن طأطأت رأسها، ويكأنها عرفت الإجابة. تقدم إلى القبر والحزن يرشح من وجهه الشاب البرازيلي والذي كان قد التحق بمكتب فاليريو للمحاماة من أجل التدرب، وقال وهو يضع وردة بيضاء: لن يخرج سرّك الذي أودعته لدي يا معلمي الفاضل حتى لو كلفني الأمر العودة بخفي حنين إلى ريو دي جانيرو.